كيف ننمي القراءة؟

الأستاذ نسيم بدارنة – رئيس جمعية اقرأ

امتنا علمت الدنيا حب القراءة، ولا بد من إخراج الكلمة من دائرة الفهم الضيقة التي كرست في وعينا، وهي أن القراءة ترتبط بالإلزام وبالتحضير للامتحان فقط، إلى الدائرة الأوسع والتي تعنيها حقيقة الكلمة، وهي أن القراءة يجب أن لا تقف في حياتنا عند حد كونها هواية بل يجب أن تتعدى ذلك لتصبح حاجة كالتنفس والطعام والشراب.

 

فما هي القراءة وما أهميتها وكيف نكتسبها كعادة وننميها كهواية ونجعلها عقيدة لا يمكننا أن نحيا بدونها؟!.

 

القراءة رياضة عقلية مجهدة إلا انه يعلو ذلك الجهد ويغلبه عند “أهل القراءة” متعتها التي تبعث النشاط في القلوب والعقول”

بداية : القراءة هي تفعيل عقل القارئ من خلال التعرف على الحروف والكلمات لغاية فهمها ونقدها ومن ثم تنقيحها واستخدامها للتأثير على إدراكنا وأفعالنا، فالقراءة رياضة عقلية مجهدة إلا انه يعلو ذلك الجهد ويغلبه عند “أهل القراءة” متعتها التي تبعث النشاط في القلوب والعقول, وهنا يجب التأكيد على ضرورة التخفيف من معاناة النفس عند القراءة بتوفير بعض الظروف النفسية والمادية وأهمها تحديد المكان والزمان المناسبين للقراءة، مثل الهدوء والإضاءة الجيدة، كما يجب التزود بأدوات القراءة الصحيحة وتطويرها مثل التزود بمهارات القراءة والتدرب على كيفية التلخيص والمراجعة من أجل المزيد من الاستمتاع في القراءة، لهذا يجب علينا أن نتعلم أو نعلم الناس حب القراءة قبل توجيههم إليها أو توجيههم إلى قوائم الكتب النافعة.

 

إن مهمة الكتابة عن أهمية القراءة هي مهمة صعبة خاصةً وأنك تريد أن توصل رسالتك إلى أولئك الذي لا يدركون أهميتها، فهم أصلا مرشحون لعدم قراءة مقالتي هذه, فالكتابة بهذا الموضوع لأولئك هي كضعيف البصر يبحث عن نظارته أو كالعاجز يبحث عن عكازه, لذلك اخترت أن تكون مقالتي موجهة إلى كل صاحب همة يدرك أهمية القراءة ويرغب أن يكون من أهلها ولكنه ما زال لا يدرك كيف ؟! كما يجب التأكيد, وإن كانت مفهومة ضمناً, أننا نقصد بكلامنا عن القراءة، تلك القراءة النوعية النافعة والتي تحمل مضامين تستجيب للتوجيهات التربوية وللحاجة النافعة.

 

على الرغم من شيوع وسائل الترف وركون الناس إليها من جهة وتعدد وسائل المعرفة من جهة أخرى، ما زالت القراءة تتربع على عرش وسائل تحصيل العلم والمعرفة، فالقراءة تشكل رافدا مركزيا من روافد ثقافة الأفراد لما تقدمه من معارف أدبية وعلمية ودينية وفكرية إلى جانب الروافد الأخرى من إذاعة أو تلفاز أو سينما وغيرها، وقد أظهرت الدراسات أن حوالي 70% من المعلومات التي ترد الإنسان إنما هي عن طريق القراءة، لذلك نجد فيها مدخلاً لنضوج الأفراد والجماعات فكريا، مما يساهم في تحديد وتشكيل وجدانهم وملامحهم النفسية الداخلية، لتشكل بالتالي سلوكياتهم, لذلك نجد أن القراءة تمتلك القدرة على إحداث انتفاضة داخلية عند الأفراد والشعوب، لتشمل كافة الجوانب الأخلاقية والعقائدية والفكرية, وهنا يكمن أحد أسرار الآية ” اقرأ باسم ربك الذي خلق” والآية ” اقرأ وربك الأكرم” التي جعلها الله أولى الكلمات التي يتنزل بها الروح القدس على قلب الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي، وهنا لا بد لي من الإشارة إلى أن هاتين الآيتين فيهما دلالة على عهد جديد مع النبوة ومع الإنسانية جمعاء، وفي أسلوب جديد في التلقي عن الله، بمعنى أن خاتم الأنبياء الأمي، وبداية رسالته باقرأ، يعني ختم عهد الأمية وأن هذا الدين يقوم على العلم، لذلك ليس من الغريب أن نجد أن القراءة وطلب العلم من خلالها سبيلاً للتعبد إلى الله، وخير دليل على ذلك قراءة القرآن.

 

تعد القراءة جواز سفر لإدراك وجودنا, فمع القراءة تزداد جودة حياتنا ونرتقي بأنفسنا إلى مراتب الإنسان القادر على التغيير والتأثير والقيادة, فالقراءة تعني إعداد الأفراد للحياة وتحررهم من ظلمة الجهل وضيق أفق التفكير، وتحررهم من قيود الزمان والمكان لتمكنهم من إدراك ما حصل من تاريخ وما يحصل من حاضر ومستقبل، فنتعلم حركة التاريخ ونتمكن من أخذ العبرة فنتمكن من قيادة العالم، فالأمم القارئة هي الأمم القادرة على القيادة، فالإنسان القارئ إنسان تصعب هزيمته، وأمة لا تعرف ماضيها تجهل مستقبلها.

 

في القراءة متعة للنفس والعقل والروح فهي كبساط الريح يسيح الفرد فيه أين يشاء ومع من يشاء، فبالقراءة تنتقل بالزمان والمكان لتعيش مع من سبقوك ولتضيف إلى حياتك أفضل لحظات وذروة عطاء من سبقوك من تجارب وخبرات وحكم، فقد سئل أحد العلماء: لماذا تقرأ كثيراً؟ فقال: لأن حياة واحدة لا تكفيني !!.فكلما ازداد الإنسان قراءة اتسع عقله أكثر فيزداد إنسانية, فعلى سبيل المثال: إن القراءة تُثري الحصيلة اللغوية عند الأفراد فتنمي المهارات اللغوية وتطور قدرة الأفراد على التعبير والتي تعتبر وسيلة مهمة لبث روح التفاهم بين أفراد المجتمع والارتقاء بإنسانيتهم، وهنا استطيع أن أقول: إن القراءة هي فن الحياة التي نحياها بإنسانيتنا.

 

ومن أعظم العادات أو القيم التي يمكن أن يورثها أي مرب لأبنائه هي حب القراءة، فتعليم الصيد لابنك أعظم من أن تطعمه سمكة لأنك بتعليمك إياه القراءة فقد وهبته العلم كله, فالسؤال كيف السبيل إلى ذلك ؟!”

حين احتلت الماديات مساحات واسعة من حياة الأفراد وصارت النفوس تميل إلى الترف والخمول وتحول العصر إلى عصر السرعة لم يعد للقراءة مساحة في حياة الأفراد، وغابت أهميتها, لذلك هناك حاجة للتربية الجدية على القراءة, وهنا أؤكد أن قطار القراءة لا يفوت أحدا، ففي كل محطة من الجيل أو الحال يمكن أن تلتحق بركب القراء, ومن أعظم العادات أو القيم التي يمكن أن يورثها أي مرب لأبنائه هي حب القراءة، فتعليم الصيد لابنك أعظم من أن تطعمه سمكة لأنك بتعليمك إياه القراءة فقد وهبته العلم كله, فالسؤال كيف السبيل إلى ذلك ؟!

 

لدخول هذا الباب لابد من أن ندرك أمراً مهماً، وهو أنه بقدر ما تعطي القراءة فإن القراءة تعطيك، وحتى يتم إدراكٌ عقليّ لأمر ما فانه لا يصبح محل تطبيق إلا حين يكون مرتبطاً بشكل وثيق بحاجة أساسية عند الفرد، مثل حاجته لتحقيق ذاته والنجاح في الحياة، وبالتالي شعوره بالرضا عن نفسه لذلك لن يستطيع الفرد منا أن يبذل نفسه للقراءة ويحصل الفائدة طالما تعامل معها على أنها همٌ مضافٌ إلى همومه، فهي منحة يستحقها من عرفها وأدركها على أنها متنفس له من كل ضيق ومخرج له من الضغوطات والأعباء الحياتية, لذلك من المهم جدا أن نقدم على القراءة برفق ولين وبذكاء، ومهمة غرس حب القراءة مهمة ليست بالسهلة ولكنها ليست مستحيلة, ولكن كلما كان الزرع في موعده مبكرا منذ الطفولة, كانت المهمة أسهل, وهنا أؤكد مرة أخرى أن قطار القراءة لا يفوت أحداً.

 

مهمة الترغيب أو التربية على القراءة هي مسؤولية فردية في أصلها ولكن ذلك لا يلغي المسؤولية الجماعية, فالجماعة بكل مركباتها- البيت، المدرسة، السلطة- يجب أن توفر المناخ الملائم لتهذيب الناس على حب القراءة وجعلها متعة متجددة لا تنقطع، وأسلوب حياة من المهد إلى اللحد ,فماذا على هذه المؤسسات العمل عليه؟

 

بداية لن أزيد كثيراً للمعرفة إذا قلت أنه يجب إنشاء المكتبات العامة وإثرائها بالكتب المناسبة لكافة الأجيال، وإقامة ورشات عمل للتعريف بالكتاب والكتب الجديدة، وإقامة معارض الكتب، باختصار: إفشاء ثقافة التنافس عند الأفراد بكل الوسائل من مسابقات وحوارات ومحاضرات, لا بل سأذهب إلى أبعد من ذلك، وهي إقامة مؤسسة ترعى تنمية القدرة على القراءة، ولتسمى “رعاية القراء” أو “ملتقى القراء” بل لتكن “عيادة القراءة فوبيا”، أي عيادة الخوف من القراءة، فالقراءة تحتاج إلى سكينة النفس، وكأن حال الأفراد هو الخوف من التوحد مع القراءة التي تعني لحظات خلوة مع الذات ومواجهتها, فإن البقاء مع الآخرين دون اللجوء إلى القراءة يتعارض مع الإيقاع النفسي السوي، فالنفس لها الحق منا أن نجالسها ونقتطع الوقت الخاص بها.

 

القدوة القارئة في داخل البيت والمدرسة، وهذا أمر مهم جدا منذ النشأة، لتبدأ مع الكتاب والصورة والتدريب على إمساك الكتاب، إلى أن يتعلم استراتيجيات القراءة للكتب في مراحل متقدمة, لذلك يجب تخصيص الوقت لنقرأ لأبنائنا، وإذا قرأنا أن نتعمد أن نقرأ على مرأى منهم أو أن نترك الكتاب مفتوحاً ليشاهده عندما يستيقظ إذا كان نائماً، وبهذا فإذا وجدت القدوة في داخل البيت فقد اجتاز الفرد منا حاجز التغييب لهذه المسألة في كبره، وهي التي تقف عائقا أساسياً أمام أي تغيير في مسعى الأفراد للتدريب على اكتساب عادة القراءة أو تنمية هذه الموهبة عند الكبر. لذلك فلا نبخل على الأطفال في البيت في إنشاء مكتبة خاصة بهم منذ نعومة أظفارهم، لتشكل ركناً مشجعاً على القراءة، وتوفير الكتب والمجلات التي تناسب العمر وتحمل المضامين الملائمة والأسلوب المشوق الذي يحاكي وعي الطفل من تمثيل وتعبير عن المواقف, وهنا يجب الانتباه إلى التدرج بالمستوى وعدم إجباره على مواضيع معينة, لأن أي خلل في هذا الأمر سيخلق حاجزاً أمام تقوية صوت الرغبة الداخلي فيولد الفشل في هذه المرحلة من إحباط في حال عدم الفهم أو عدم الملاءمة للميول ولرغبات الطفل، لأنه يجب أن يكون الهدف الأسمى هو ربط الطفل بالكتاب.

 

أخيراً وحتى تدخل القراءة إلى حياتنا، يجب أن نستغل الفرص لهذه المهمة، فتتحول هدايانا في المناسبات إلى كتاب، وجوائز التكريم إلى مجموعات من الكتب، وضيوف الندوات هم كتابنا وأدباؤنا ومؤلفينا، ولا بأس -وللترغيب في القراءة وغرس حبها في النفوس- من استغلال الهوايات لتناسب مضامين القراءة أو استغلال اللعب المشوق لإثارة حب القراءة, واجعل قيمة لكل ما يقرأه الأبناء، واجعله مادة للنقاش والحوار، واجعل طاولة غرفة الضيوف مسرحاً لإلقاء الشعر أو المسرحيات أو المواعظ. وحتى يكتمل المعنى لا بد من الخاتمة، بمعنى قد يفيدنا وهو إن كانت الكلمة الأولى التي أنزلت في القرآن “اقرأ” فلا تنسى أنك بالآخرة سوف تقرأ، الم يقل الله ” اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا”، فبين اقرأ الأولى واقرأ بالآخرة يكون استخلافك بالأرض، ولن تتم تلك المهمة بعيداً عن اقرأ والقراءة.

* * * * * * *

كتب يستفاد منها:
– القراءة المثمرة – عبد الكريم بكار
– القراءة الذكية – د.ساجد العبدلي
قراءة القراءة – فهد بن صالح الحمود


4 تعليقات على “كيف ننمي القراءة؟”

  1. great article

  2. Amran Bishara
    avatar

    الدكتور محمد منير أبو شعر

    الصحابة سمعوا النبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول:( اقرأ و ارق) فالقراءة فيها شفاء للصدور والقلوب.‏

    الكاتب الفرنسي جيروم جارسان يقول:« القراءة تعني الحياة»، أما الروائية ليدي سالفاير فتقول:« أنا أقرأ إذاً أنا أعيش، والحياة لا تساوي شيئاً من دون الكتب، ولا أتصور حياتي من دونها».‏

    وقد صدق من قال: عشاق الكتب لا ينامون وحدهم..‏

    ويقول المتنبي:‏

    أعز مكان في الدنا سرج سابح‏

    وخير جليس في الأنام كتاب.

  3. أمة الله
    avatar

    بارك الله فيك!

سجّل ردّا

أحدث التعليقات

  • سندس: مرحبا انا طالبة في صف 12 انا بطلع من المدرسة معي 5 بيولوجيا 5 كيمياء 4 عربي 3 رياضيات 3 انجليزي 5 عبراني 1 دين...
  • سوما: عنجد شكراااا
  • التوجيه الدراسي: السلام عليكم اهلا سمر – هذا معدل شهادة البجروت للتسجيل لدراسة طب الاسنان وفق هذه العلامة عليك...
  • التوجيه الدراسي: السلام عليكم للتواصل مع الجامعة المفتوحة ، يمكنكم الاتصال على أحد الارقام التالية ومن ثم اختيار...
  • ايه: اريد ان اسال عن الجامعه المغتوحه في سخنين عن مواعيد التسجيل ورقم الهاتف

اقرأ أيضا