الأكاديميون العرب ونيل شهادات الدكتوراه من خارج البلاد

د. قصي حاج يحيى-
محاضر في الكلية الأكاديمية بيت بيرل وباحث في موضوع الأكاديميين العرب والتعليم العالي

يعتبر أصحاب الألقاب الجامعية العليا وخصوصا الدكتوراه قوة العمل الأساسية, وعليهم تستند الأبحاث والتطور العلمي والتكنولوجي، فعدد الحاصلين على شهادة الدكتوراه يعتبر مقياسا للقوة الاقتصادية والتكنولوجية لكل دولة.

بشكل عام يطمح الطلاب العرب من حملة الماجستير الذين يريدون مواصلة تحصيلهم الجامعي في الداخل الفلسطيني ولا تسنح لهم الفرصة لذلك بتكملة دراستهم الجامعية في دولة متطورة من أجل اكتساب معرفة مهنية وتكنولوجية، ومكانة اجتماعية وحضارية وتحسين المنظور العلمي، لتتاح أمامهم إمكانية مساعدة مجتمعهم في التقدم الاقتصادي والتكنولوجي الذي يترك نفعاً على الأفراد والمجتمع على حد سواء، لتزداد رفاهيتهم. من المعروف انه لا تتوفر للطلاب العرب في الداخل الفلسطيني الإمكانيات لمواصلة التحصيل العلمي لأسباب تخص علاقة الأغلبية بالأقلية، كذلك عدم وجود معاهد ومؤسسات لخدمة البحث العلمي خاصة في المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل الفلسطيني. فلا توجد جامعة عربية لهم ولا كليات أكاديمية مستقلة سوى كليات إعداد المعلمين. ثم إن قضية عدم قبولهم للدراسة الجامعية في الجامعات الإسرائيلية والكليات المختلفة لأسباب أمنية- سياسية، ما زالت من القضايا الأساسية والتي تشجّع الطلاب العرب للسفر إلى خارج البلاد. والنتيجة لذلك بروز ظاهرة اعتماد كثير من الأكاديميين العرب على جامعات الدول المختلفة وبخاصة الدراسات العليا.

ويطمح الأكاديميون العرب الذين ينوون مواصلة تعليمهم الجامعي لشهادات الدكتوراه كزملائهم في العالم إلى التطلع المستقبلي من أجل توسيع المعرفة وجمع الخبرة والتعرف على مجتمعات وثقافات جديدة، وبالتالي التعرف على فوارق اجتماعية وحضارية ومحاولة فهمها وتحليلها. كل ذلك في محاولة الأكاديمي العربي تحسين وضعه العلمي والاجتماعي لمساعدة نفسه على الارتقاء في السلم الاجتماعي والاقتصادي، بالتالي مساعدة مجتمعه وأقليته من أجل المساواة التامة في جميع ميادين الحياة في الداخل الفلسطيني.

ثم إن قضية عدم المقدرة المادية للانتساب للجامعات المحلية التي تتطلب أقساطا جامعية خيالية، خصوصا لدى الأكاديميين العرب الذين ينتمون لطبقات ذات مستوى اقتصادي متواضع، وهي الشريحة الأكبر في المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني، تكون من الأسباب الرئيسة لسفرهم إلى الخارج، إلى جانب محفزات شخصية. ولكن يبقى العامل الأساسي هو اكتساب مهنة في خارج البلاد لم يتم القبول لها في جامعات البلاد.

بالمقابل تمنح الدول الأجنبية المنح المادية للطلاب الذين ينوون مواصلة دراستهم الجامعية لنيل شهادة الدكتوراه, وهذا يعتبر عاملاً أساسياً لجذب هؤلاء الأكاديميين لمواصلة التعليم العالي في هذه البلدان. مثال واضح على التشجيع الواضح للحكومات الغربية ما تفعله حكومة ألمانيا. ففي سنة 1984 منحت وزارة الخارجية الألمانية لـ 2387 طالبا من دول العالم الثالث منحاً دراسية بما في ذلك منحاً لنيل شهادة الدكتوراه. هكذا كان أيضا بالنسبة للدول الاشتراكية سابقا، حيث كانت هذه الدول تعطي منحاً دراسية للطلبة بما في ذلك منحاً لنيل شهادة الدكتوراه, كعامل نقل حضاري وفكري.

وتقدّم الولايات المتحدة منحاً لطلاب بحث في مرحلة الدكتوراه في أي من مجالات الدراسة من خلال منحة “فولبرايت” التي تعنى بالتفوق الأكاديمي والانخراط في العمل الجماهيري وفي خدمة المجتمع واثبات المرشح قدرات قيادية في مثل هذه النشاطات. وقد منح صندوق التعليم العالي “فولبرايت” أكثر من 1300 أكاديمي إسرائيلي, بما في ذلك الأكاديميون العرب, منحاً تعليمية وبحثية منذ إقامة هذا الصندوق. يشار إلى انه منذ العام 2007 يدير صندوق “فولبرايت” منحة التواصل المخصصة للطلاب العرب، حيث يتقّدم للمنحة ما يزيد عن الأربعين طالباً كل سنة، يتم اختيار 8-10 من بينهم. ويهدف هذا الصندوق إلى التبادل الثقافي بين العرب في الداخل الفلسطيني والأمريكي وتأهيل كوادر قيادية من الأكاديميين العرب من اجل مواصلة التعليم للألقاب العالية في مجالاتهم والعودة إلى ديارهم ليكونوا سبّاقين في المجالات الأكاديمية, الاجتماعية والأهلية. إضافة إلى ذلك يقوم الصندوق بتمويل مشاريع أكاديمية عينية مرتبطة في مجال التعليم العالي في البلاد. يذكر أن من بين خرّيجي المنحة شخصيات قيادية بارزة في مجتمعنا في المجالين الأهلي والأكاديمي.

وأصبحت الجامعات الأردنيّة هدفًا لطلاب وطالبات عرب من الداخل الفلسطيني يرغبون بمواصلة دراستهم العليا لنيل شهادات الماجستير والدكتوراه، خصوصًا في مواضيع الدين والشريعة الإسلاميّة واللغة والأدب العربيّ . وقد وصل عددهم في السنة الدراسية 2004-2005 الى 41 طالبا.

في السنوات الأخيرة أصبحت الجامعات الروسية وبعض من جامعات الدول الاشتراكية سابقاً هدفا لطلاب عرب من الداخل الفلسطيني لمواصلة التعليم العالي ونيل شهادة الدكتوراه في جامعاتها، وتقوم مؤسسات ومراكز تعليمية في المجتمع العربي بتقديم المساعدة لطلاب ينوون تكملة تعليمهم العالي في الجامعات الروسية عن طريق المنح الدراسية، وقد مكّنت هذه المنح الدراسية للطلبة وللأكاديميين من مواصلة التحصيل العلمي والمهني في جميع الكليات اللسانية والأدبية .

إن جميع نقاط الجذب الايجابية تمتاز بها نظرية الهجرة، والتي تؤكد بان ظروف دولة المصدر هي التي تؤثر على السكان من اجل ترك المكان الذين يعيشون فيه، والانتقال إلى أماكن أخرى في العالم والتي تجذبهم إليها. ولكن اتخاذ القرار بالنسبة للفرد لهوية الدولة المتجه إليها متعلق بعوامل جذب أخرى مختلفة أيضا، مثل عوامل تاريخية متعلقة بفترة الاستعمار الأوروبي في إفريقيا واسيا وأمريكا اللاتينية، إلى جانب عوامل حضارية واقتصادية وجغرافية. بالطبع هناك أيضا عوائق وعراقيل وصراعات ناتجة عن صراع قوى الجذب وقوى الطرد، مثل صعوبات اللغة، والبعد الجغرافي، وثمن الهجرة، والصدمة الحضارية، والصدمة الحضارية المعاكسة .

هناك 8 دول في العالم تخّرج حوالي 70% من أصحاب ألقاب الدكتوراه في العالم, وهي: الولايات المتحدة, ألمانيا, روسيا, اليابان, بريطانيا, الصين, الهند وفرنسا، فظاهرة نيل شهادة الدكتوراه من خارج البلاد ليست محصورة على الأكاديميين الجامعيين في المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني, بل هي ظاهرة مألوفة أيضا على مستوى الوطن العربي الكبير. فقد بلغت نسبة الأكاديميين العرب الحاصلين على شهادات الدكتوراه من الدول الأجنبية حوالي 46.2% من مجموع المحاضرين الجامعيين, وبما يعادل 20.486 عضو هيئة تدريس.

وتعود الأسباب إلى انخفاض نسبة الحاصلين على شهاداتهم العليا من خارج البلاد في بعض الدول العربية, مثل الجزائر(12% فقط), إلى شمول الجامعات الإسلامية فقط بالدراسات والتي تعتمد على أساتذة خرّيجين من الجامعات نفسها فقط. أما ارتفاع النسبة في سوريا والبحرين والأردن وغيرها من الدول العربية يعود إلى القدرة المادية لمعظم هذه الدول على إيفاد طلبة إلى خارج البلاد وضعف برامج الدراسات العليا في كثير منها. أما في فلسطين فتعود الأسباب الرئيسة إلى “الهجرة المؤقتة” لمواصلة التعليم العالي بسبب الأوضاع السياسية وتأثيرها على الجامعات المحلية.

ويتبين ايضا من المعطيات العامة أن دول أوروبا الغربية وأمريكا هي الهدف الأول لطلاب عرب من دول عربية يريدون مواصلة تعليمهم الأكاديمي في جامعاتها, وانحسار سيطرة دول المعسكر الاشتراكي سابقا, وذلك لظروف العولمة وسلعنة التعليم العالي والمستجدات العالمية في مجال الاقتصاد وسيطرة القطب الواحد عليه.

من الواضح أن موضوع التعليم العالي ونيل شهادة الدكتوراه أصبح فرعا اقتصاديا مزهرا في المجتمعات العالمية، وخصوصا عند الحديث عن ظاهرة “سلعنة” التعليم العالي في عالمنا اليومي. فجميع جامعات العالم تسعى جاهدة لتجنيد الأكاديميين المتفوقين للانتساب إليها، وخصوصا الأجانب منهم. وعليه فعلى الطالب والأكاديمي العربي في الداخل الفلسطيني طرح أسئلة كثيرة تتعلق بالقيمة الإضافية للدراسة في خارج البلاد، وهل باستطاعته بالفعل أن يجني ربحاً آخر إضافة للتعليم نفسه خارج البلاد؟

* للمزيد من المعلومات والبيانات الاضافية عن الموضوع يراجع كتاب “أبحاث في التعليم العالي لدى المجتمع العربي في اسرائيل” اصدار صندوق التعليم العالي- أم الفحم، ص 69-113


سجّل ردّا

أحدث التعليقات

  • اقرأ: حولنا استفساراتكم لقسم التوجيه المهني يرجى انتظار الرد.
  • مرام: السلام عليكم .. اللي بتعلم علاج طبيعي / وظيفي بغدر يكمل طب؟ وباي جامعة ؟ واكم سنة ؟
  • لارا: خصوص اشكلون والتمريض مش مهم معدل البجروت المهم انو معي شهاده وقديش بدها جيل
  • التوجيه الدراسي: السلام عليكم نعم ، يمكنك الدراسة في أشكلون ، شروط القبول شهادة بجروت وعلامة فوق 500 ( مفضل التواصل...
  • لارا: انتظر جوابكم

اقرأ أيضا