المصالح الإجتماعية – المستقبل وحلم الشباب في التغيير

د.محمود خطيب

د محمود خطيبلا شك أنّ الفقر ظاهرة عالمية؛ حيث إنّ نصف سكان العالم يعيشون على 2 دولار في اليوم، ومليار إنسانٍ يعيشون على دولار واحد في اليوم. وبالطبع هذا الأمر ناتجٌ أساسًا عن فشل الدول والحكومات الذي أدى إلى سوء توزيع فظيع للثروة؛ حيث إن 94% من دخل العالم يحصل عليه 40% من سكان العالم. حتى أن المساعدات التي تمنحها المنظمات الدولية لمحاربة الفقر قد فشلت، فعلى الرغم من توزيع 50 مليار دولار سنويّا على شكل مساعدات للتخلص من الفقر، فإنّ أقل من 1% يصل مباشرة إلى الفقراء.

طبعا الفقر ظاهرة لا تقتصر على دول العالم الثالث، فهناك 47 مليون أمريكي لا يوجد تأمين صحيّ لهم! والحقيقة أنّ تعريف الفقر يختلف من مكان الى آخر، ويوجد أكثر من 30 تعريفًا للفقر، لكن يمكن إدراجاها في ثلاثة توجهات أساسية.

أولا، التوجه النسبي: بحسب هذا التوجه (والمعتمد في البلاد وفي الدول المتطورة) فإن الفقر هو ظاهرة نسبية، يجب تقييمها نسبة لمستوى المعيشة في المجتمع، العائلة تعتبر فقيرة ليس حينما تعجز عن شراء سلّة منتجات أساسية تمكّنها أن تحافظ على بقائها، وإنما حين تكون ظروف معيشتها متدنية نسبة إلى الظروف المعيشية السائدة في المجتمع.

ثانيا، التوجه المطلق: بحسب هذا التوجه فإنّ العائلة تُعتبر فقيرة إذا لم يكن بمقدورها أن تشتري سلّة منتجات أساسية تمكّنها من المحافظة على بقائها.

ثالثا، التوجه الذاتي: بحسب هذا التوجه فإنّ الأسرة تقيّم بنفسها قدرتها على العيش في مستوى معيشة مقبول، وتحدد إذا ما كانت فقيرة.

إذن، فبحسب التوجه النسبي – والمعتمد في البلاد وفي الدول المتطورة – فإنّ خط الفقر مقياس اجتماعي اقتصادي يتطرق إلى دخل الفرد أو الأسرة، وهو بمثابة “مؤشر” بين من يكفي دخلهم لمعيشة لائقة، وبين أولئك الذين لا يكفي دخلهم لذلك. لذا فإن خطّ الفقر بحسب التوجه النسبي لا يحدد الفقر المطلق، وليس بالضرورة أن توجد لدى الأشخاص والعائلات الذين يعيشون تحت خطّ الفقر أزمةٌ حقيقيةٌ في القدرة على التزود بالمنتجات والخدمات الأساسية؛ كالملبس والمأكل والمشرب والمسكن، وإنما خطّ الفقر نسبيٌّ لمستوى المعيشة العامة في الدولة، لذلك نجد أن عائلة تحصل على دخل شهري 1000$ من الممكن أن تصنف على أنها “فقيرة” في دولة غنيةـ أو على أنها “غنية” في دولة فقيرة. إنّ خطّ الفقر بالضرورة هو مؤشر لواضعي السياسات على أنّ هنالك خللا في توزيع الموارد يؤدي إلى فوارق وتفاوت في مستوى المعيشة بين المجموعات المختلفة في الدولة، وأنه يجب العمل على إزالة هذه الفوارق.

* * *

أكثر من 50% من المواطنين العرب في البلاد يعيشون تحت خط الفقر، وفقط 20% من النساء العربيات يشاركن في سوق العمل، وفقط 10% من المواطنين العرب فوق سن الـ 20 حاصلون على لقب أكاديمي، وبالتالي فإن أكثر من 50% من الأسر العربية تعاني من مديونية عالية حيث تفوق نفقاتها دخلَها.

في ظلّ واقع كهذا كان لا بد للعنف أن ينتشر، ويتزايد من سنة إلى سنة، ولا بد للشباب أن يفقد الأمل في المستقبل فينحرف، ولا بد لنسبة الطلاق أن ترتفع وتزيد الخلافات داخل الأسرة، حيث تشير الإحصائيات إلى أن 70% من الخلافات الزوجية تنبع بالأساس من خلاف على أمور مادية.

وتوالت الحكومات الواحدة تلو الأخرى، كلها تعترف بالتقصير تجاه المجتمع العربي، لكن أيّا منها لم يبادر أكثر من إطلاق الوعود يمنة ويسرة، وتفاقمت المشاكل في المجتمع على الصعيد الصحي والتعليمي والبنية التحتية و…إلخ، وفي المقابل فإنّ السلطات المحلية قد فشلت هي الأخرى في أداء دورها المطلوب؛ حيث إن الغالبية الساحقة منها تعاني من عدم نجاعة في العمل والإدارة، وفقر في النظرة الاستراتيجية لحلّ المشاكل، وشُحّ في الميزانيات نتيجة لضعف الجباية من جهة، ونتيجة لشُحّ الميزانيات الآتية من الحكومة، وأيضا نتيجة لكثرة السرقات وكثرة الدعاوى القضائية المقدمة ضدّ السلطات المحلية.

في حين أنّ المصالح العربية لم تأخذ دورها في سدّ الثغرات والفجوات التي لم تملأها الحكومة والسلطات المحلية؛ حيث إنها مصالح ربحية تسعى إلى الربح الذاتي، وأيضا لأنّ كثيرًا منها يتخبّط خبط عشواء، فأكثر من 70% من المصالح العربية تغلق في سنتها الأولى.

وكان لا بد في هذا الواقع أن تقوم الجمعيات الخيرية والمجتمع المدني بدورهما، وبالرغم من الجهد الذي يبذل في هذا القطاع إلا أنه بدائيّ جدا؛ فكثير من الجمعيات أمضت عقودا في تشخيص المشكلة، وبعد أن شخصت المشكلة ما زالت تعوّل على الحكومات أن تقوم بدورها، أو قل أكثر مما تتحمل أو ما يتخيل أن تقوم به الحكومات التي هي السبب الرئيسي لمشكلة الفقر وللمشاكل الأخرى عند المواطنين العرب، وكما يقول بروفيسور محمد يونس:

«لا يمكن أن نوكل مهمة القضاء على الفقر إلى المؤسسات التي أنتجته. يجب إقامة أجسام جديدة لحلّ مشاكل الفقراء».

هناك مشكلة أخرى تواجه الجمعيات، وهي تبعيتها لأحزاب سياسية وحركات إسلامية، وهذا الأمر يتسبب بقلة التعاون بينها، ووجود المنافسة بمعناها السلبي لا الإيجابي، وأيضا لأنها من حيث لا تدري ستنحرف أحيانا، تنحرف قليلا أو كثيرا في مسارها لتخدم في آخر المطاف المصلحة الحزبية بدلا من المصلحة العامة التي من أجلها أقيمت.

نقطة أخرى: إنّ اعتماد الغالبية العظمى من هذه الجمعيات على التبرعات فحسب أدّى إلى تغيير رؤيتها ومسارها يمينا وشمالا في سبيل الحصول على الدعم وتحقيق رغبات المتبرع حتى يسخى بماله، وكما نعرف فإنّ الأهداف الاجتماعية عادة ما تكون أهدافًا استراتيجية بعيدة المدى، يفوق مداها الخمس إلى العشر سنوات أو اكثر، وهذا التلوّي يمينا وشمالا أدى إلى أن تفقد هذه الجمعيات بوصلتها.

أما بالنسبة لِلَجْنة المتابعة فهي جسم سياسي لا يملك ميزانيات ولا سلطة، ولا يمكنه إلا أن يشكل جسما توافقيا لإحياء المناسبات الوطنية واتخاذ المواقف السياسية التوافقية من قضايا تهمّ المواطنين العرب.

في ظلّ هذا الواقع كان لا بدّ من نشوء مؤسسات أخرى – كما يقول البروفيسور محمد يونس – تسعى إلى إحداث التغيير، هذه المؤسسات تسمى “المصالح الاجتماعية”.

والآن: من هو محمد يونس؟ وما هي حقيقة المصالح الاجتماعية؟ وما هي التحدّيات التي تواجه انتشار المصالح الاجتماعية في الداخل الفلسطيني؟ هذا ما سنجيب عليه في هذه الورقة.

من هو محمد يونس

“إذن هذا هو الواقع”، فبينما كان الناس يموتون جوعًا في الطرقات، كان يونس يعلّم تلاميذه النظريات الباهرة في الاقتصاد، وأحسّ بكراهيّته لنفسه لشعوره بمدى عجرفة أمثاله من أساتذة الاقتصاد؛ لادعائهم امتلاك الإجابة على الأسئلة الصعبة، يقول يونس: “لقد كنا – نعم – نحن أساتذة الاقتصاد نتميز بشدّة الذكاء، لكننا لم نكن نعرف شيئًا عن الفقر الذي كان يحيط بنا من كل جانب”.

ولد محمد يونس عام 1940 في مدينة شيتاجونج Chittagong، التي كانت تعتبر في ذلك الوقت مركزًا تجاريا لمنطقة البنغال الشرقي في شمال شرق الهند، كان والده يعمل صائغًا في المدينة، وهو ما جعله يعيش في سعة من أمره فدفع أبناءه دفعًا إلى بلوغ أعلى المستويات التعليمية، غير أنّ الأثر الأكبر في حياة يونس كان لأمه “صفية خاتون” التي ما كانت تردّ سائلاً فقيرًا يقف ببابهم، والتي تعلّم منها أن الإنسان لا بد أن تكون له رسالة في الحياة.

في عام 1965 حصل على منحة من مؤسسة فولبرايت لدراسة الدكتوراه في جامعة فاندربيلت Vanderbilt بولاية تينيسي الأمريكية، وفي فترة تواجده بالبعثة نشبت حرب تحرير بنجلاديش (باكستان الشرقية سابقا) واستقلالها عن باكستان (أو باكستان الغربية في ذلك الوقت). بنجلاديش هي دولة إسلامية تقع في جنوب شرق آسيا، وكانت قد استقلت عن باكستان في العام 1971.. ومناخها استوائي وتكثر فيها الأنهار والفيضانات.. وتمتاز بعدد سكان كبير (تعداد السكان بلغ 160 مليون في العام 2009) وبكثافة سكانية عالية.. نظامها السياسي ديمقراطي ولكنها دولة فقيرة حتى أن الفقر فيها قد يؤدي أحيانًا إلى مجاعات راح ضحيتها الملايين. ولكنها تُعتبر اليوم من قبل البنك الدولي من الدول المتوقع أن تنمو اقتصاديا بشكل كبير على الرغم من كلّ العراقيل التي من الممكن أن تقف حائلاً.

وقد أخذ يونس من البداية موقف المساند لبلاده بنجلاديش في الغربة، وكان ضمن الحركة الطلابية البنغالية المؤيدة للاستقلال، التي كان لها دور بارز في تحقيق ذلك في النهاية. وبعد مشاركته في تلك الحركة عاد إلى بنجلاديش المستقلة حديثا في عام 1972 ليصبح رئيسًا لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاجونج، وكان أهالي بنجلاديش يعانون ظروفًا معيشية صعبة، وجاء عام 1974 لتتفاقم معاناة الناس بحدوث مجاعة قُتل فيها ما يقرب من مليون ونصف المليون.

هنا طرأت فكرة “بنك الفقراء” على يونس. وقوام الفكرة هو تقديم قروض صغيرة للفقراء الذين لا يشملهم الغطاء البنكي التقليدي. وفاق نجاحه التوقعات، وصار مصدر إلهام للدول النامية في أنحاء العالم. وكان أول قرض قد قدمه من جيبه الخاص لمجموعة من النساء. وكان عمله قد لقي ترحيبا على نطاق واسع، ويشار إلى محمد يونس في العادة بأنه “المصرفي العالمي من أجل الفقراء”. ويقول رولاند بورك (مراسل بي بي سي في دكا) إنّ يونس يعيش حياة بسيطة حيث إن بنك جرامين مملوك للمتعاملين معه ولحكومة بنجلاديش.

في عام 1991 فاز بجائزة “أنديرا غاندي للسلام ونزع السلاح والتنمية”. ولم يقتصر تأثيره على العالم النامي فقط، ففي عام 2000 قالت هيلاري كلينتون – وزيرة خارجية أمريكا – إنّ يونس ساعدهم في برامج تقديم القروض الصغيرة للفقراء في أركانساس. وقد فاز محمد يونس بجائزة نوبل للسلام في العام 2006 مناصفة مع بنكه “بنك الفقراء”.

في 24 يونيو 2008 احتل المرتبة الثانية بعد المفكر التركي فتح الله كولن ضمن أبرز المفكرين على مستوى العالم في قائمة “العشرين شخصية الأكثر تأثيرا على مستوى العالم الإسلامي لعام 2008″، في استطلاع دولي أجرته مجلتا “فورين بولسي” و”بروسبكت” الأمريكية والبريطانية على التوالي، وقد احتل الدكتور يوسف القرضاوي المرتبة الثالثة، والداعية عمرو خالد فيها المرتبة السادسة.

تبلور الفكرة

يقول الدكتور محمد يونس: “في عام 1972م، وهو العام التالي لحصول بنجلاديش على استقلالها، بدأت بتدريس الاقتصاد في إحدى الجامعات. وبعد عامين أصيبت البلاد بمجاعة قاسية، وكنت أقوم في الجامعة بتدريس نظريات التنمية المعقدة، بينما كان الناس في الخارج يموتون بالمئات، فانتقلت إلى قرى بنجلاديش أكلم الناس الذين كانت حياتهم صراعًا من أجل البقاء، فقابلت امرأة تعمل في صنع مقاعد من البامبو، وكانت تحصل في نهاية كل يوم على ما لا يكاد يكفي للحصول على وجبتين، واكتشفت أنه كان عليها أن تقترض من تاجر كان يأخذ أغلب ما معها من نقود. وقد تكلمت مع اثنين وأربعين شخصًا آخرين في القرية ممن كانوا واقعين في فخ الفقر، لأنهم يعتمدون على قروض التجار المرابين، وكان كل ما يحتاجونه من ائتمان هو ثلاثين دولاراً فقط. فأقرضتهم هذا المبلغ من مالي الخاص، وفكرت في أنه إذا قامت المؤسسات المصرفية العادية بنفس الشيء؛ فإن هؤلاء الناس يمكن أن يتخلصوا من الفقر. إلا أن تلك المؤسسات لا تقرض الفقراء، وبخاصة النساء الريفيات”.

وبمساعدة طلابه استطلع “يونس” أحوال الفقراء في 42 قرية أخرى محيطة، واكتشف أن الوضع القائم لا يتيح للفقراء توفير قرش واحد ومن ثم لا يستطيعون تحسين أحوالهم مهما بلغ جدهم واجتهادهم في العمل، ومن ثم اكتشف أنهم لا يحتاجون سوى رأس مال يتيح لهم الاستفادة من عوائد أموالهم.

بداية التجربة

بدأ محمد يونس تجربته وأقرض 42 امرأة من الفقراء مبلغًا بسيطا من المال من جيبه الخاص بدون فائدة، ودونما تحديد لموعد الرد. ولأنه رأى عدم إمكانية الاستمرار في ذلك بمفرده فقد مضى يحاول إقناع البنك المركزي أو البنوك التجارية لوضع نظام لإقراض الفقراء بدون ضمانات، وهو ما دعا رجال البنوك للسخرية منه ومن أفكاره، زاعمين أن الفقراء ليسوا أهلا للإقراض، وعبثًا حاول إقناعهم أن يجربوا، ومن ثم اقترض قرضًا خاصا ليبدأ به مشروعا في قرية جوبرا. وبمساعدة طلابه أمضى في متابعته ودراسته من عام 1976 حتى عام 1979 في محاولة لإثبات وجهة نظره بأن الفقراء جديرون بالاقتراض، وقد نجح مشروعه نجاحا باهرا وغير حياة 500 أسرة من الفقراء، وفي عام 1979 اقتنع البنك المركزي بنجاح الفكرة وتبنى مشروع “جرامين” أي “مشروع القرية”Grameen Bank.

بنك الفقراء هو بنك جمع بين العبقرية التنظيرية والمبادئ الإنسانية. تعتمد فكرة البنك بالأساس على تقديم قروض صغيرة لتمويل مشروعات منزلية تقوم عليها غالبا نساء إلى جانب الكثير من النشاطات الاجتماعية والتنموية.

من انجازات بنك جرامين:

Ø قروض لأكثر من سبعة مليون فقير في 78 ألف قرية في بنغلادش، 97% منهم نساء.

Ø في عام 2006 كان مجموع القروض التي منحت 6 مليار دولار، نسبة الإرجاع 98.6%.

Ø في عام 1995 توقف بنك جرامين عن تلقي التبرعات.

Ø م64% من المستقرضين تخطوا خطّ الفقر.

Ø منح 30 ألف منحة تعليمية لأولاد المقترضين.
Ø إقامة منظمة لنشر الفكرة عالميا.

مصالح اجتماعية أخرى

بالإضافة الى بنك جرامين فهنالك 22 مصلحة اجتماعية أقامها محمد يونس منها في تربية السمك والأبقار، ودعم التعليم (برامج توفير ومنح)، وشركة الهواتف النقالة، وشركة انتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية ورَوْث المواشي، وخدمات الصحة.

3. تعريف بالمصالح الاجتماعية

«لا يمكن أن نوكل مهمة القضاء على الفقر إلى المؤسسات التي أنتجته. يجب إقامة أجسام جديدة لحلّ مشاكل الفقراء».

«بروفيسور محمد يونس»

الهدف من المصلحة الاجتماعية

تهدف المصلحة الاجتماعية بالأساس إلى تحقيق هدف اجتماعي واضح ومعلن، مثل تحسين التغذية عند الفقراء عن طريق بيع منتجات بأسعار مخفضة، أو تأمين صحي للفقراء، أو تدوير النفايات، أو نشر الثقافة المالية وثقافة المبادرة، في حين أن تحقيق الربح المادي هو غاية ثانوية تهدف إلى خدمة الهدف الاجتماعي ولضمان تحقيقه، وفي تضارب الهدف الربحي والمادي مع الهدف الاجتماعي فإن المصلحة الاجتماعية تتمسّك بالهدف الاجتماعي. فعلى سبيل المثال ربما يقوم أحدهم على اقامة مصلحة اجتماعية لتدوير النفايات، فوجد أنه إذا استعمل مادة معينة فإنّ ذلك سيزيد من أرباحه، ثمّ اكتشف أنّ هذه المادة مضرة للبيئة، حينئذٍ سيتنازل عن استعمال هذه المادة.

مصادر الدخل

المصلحة الاجتماعية تبيع منتجاتها أو خدماتها بسعر مقبول، وهو الأمر الذي يمكّنها من أن تكون مستقلة اقتصاديا، السعر المقبول ليس بالضرورة أن يكون سعرا منخفضا، إنما هو ذلك السعر الذي يُمَكّن المصلحة – في أدنى الأحوال – من أن تكون مستقلة اقتصاديا، وفي أفضل الأحوال أن توسع وتزيد خدماتها وتطوّرها.

تحاول المصلحة الاجتماعية الابتعاد قدر الإمكان عن التبرعات والاعتماد عليها كمصدر دخل، وأن تكون التبرعات بالنسبة لها غير داخلة ضمن خطتها في السعي لتحقيق الاستقلال الاقتصادي.

في حال أنّ المصلحة الاجتماعية تحتاج إلى التمويل – من أجل إقامتها أو من أجل تطوير خدماتها أو تجاوز محنتها – فإنها تلجأ أولا الى المستثمرين الاجتماعيين، ولا تلجأ الى القروض؛ حيث إن الفرق بين المقرض (الذي يكون عادة بنكا) والمستثمر الاجتماعي هو أنّ المقرض يأخذ فائدة على القرض، وأيضا في حال إغلاق المصلحة وفشلها فإنه سيطالب بإرجاع قرضه بالإضافة إلى الفائدة، بينما المستثمر الاجتماعي لا يأخذ فائدة وهو شريك بالمخاطرة حيث إنه لا حقّ له بأن يطالب باسترجاع أمواله في حال فشلت المصلحة وتمّ اغلاقها، وبالنسبة لإرجاع الاستثمار فإنّه لا يوجد وقت محدّد لإرجاع الأموال التي استثمرت.

ما الذي يدفع المستثمرين الى الاستثمار في المصالح الاجتماعية؟

إنّه الربح النفسي والروحي والشعوري، وجذب المستثمر الاجتماعي يكون بناء على الهدف الاجتماعي وزمن إرجاع الاستثمار، وبعد ارجاع الاستثمار لا قرار للمستثمر في سياسة المصلحة وخططها.

سياسة الأرباح

الأرباح لا توزع على أصحاب المصلحة الاجتماعية! وإنما تستعمل لتطوير المصلحة وتوسيع خدماتها وتخفيض أسعار خدماتها، أو لإعطاء جزء من خدماتها مجانا، أصحاب المصلحة الاجتماعية لهم الحق باسترداد الأموال التي استثمروها في المصلحة من خلال الأرباح التي تجنيها المصلحة. يشار هنا إلى أن المصلحة الاجتماعية التي لا تستطيع تغطية نفقاتها لا تعتبر مصلحة اجتماعية.

يشار أيضا إلى أنه على المصلحة الاجتماعية أن تسعى دائما لزيادة أرباحها، ولكن ليس على حساب الغاية الاجتماعية.

مقارنة مع الجمعيات

الجمعيات تعيش على التبرعات، وجزء كبير من جهد العاملين في الجمعية يصبّ في تجنيد الأموال، وهو الأمر الذي يؤدّي إلى أن كثيرا من الجمعيات تلائم نفسها حسب رؤية المتبرع، وتنحرف عن أهدافها التي من أجلها أقيمت.

الملكية

ملكية المصلحة العامة يمكن أن تتبع لشخص واحد، أو مجموعة من الأشخاص – شركة – أو اتحاد. أو تكون ملكيتها لجمعية أو شركة ربحية أو للدولة.

المنافسة

المصلحة الاجتماعية يمكن أن تتنافس مع مصلحة عادية، إذا كانتا تبيعان نفس المنتج أو تقدّمان نفس الخدمة، المنافسة تكون كما هي المنافسة بين مصلحتين عاديّتين، والتي تكون في المحاور التالية:

1. السعر.

2. الجودة.

3. الراحة والقرب.

4. العلامة التجارية.

وأيضا لربما تتنافس مصلحة اجتماعية مع مصلحة اجتماعية أخرى، وبالإضافة إلى عوامل المنافسة مع المصلحة العادية، المنافسة بين مصلحتين اجتماعيتين تكون في:

1. السمعة.

2. تجنيد الطاقم المهني.

لكن بالرغم من المنافسة بين المصلحتين الاجتماعيتين فيجب أن يكون هنالك تعاون بين المصالح الاجتماعية التي تعمل في نفس القطاع.

أنواع المصالح الاجتماعية

المصالح الاجتماعية تقسم إلى أربعة أنواع وذلك بحسب المستفيد منها:

1. المنتج أو الخدمة: كل ما ذكر حتى الآن يقع تحت هذا النوع؛ حيث إن الخدمة التي تقدّمها المصلحة الاجتماعية التي تندرج تحت هذا النوع تكون واضحة 100% بأنها خدمة اجتماعية مثل: دعم التعليم عند الفقراء، ونشر الثقافة المالية وثقافة المبادرة.

2. عملية الإنتاج: مصلحة اجتماعية من هذا النوع تهدف إلى تشغيل أناس ذوي مهارات (احتياجات) خاصة فحسب، ممّن لم يُتح لهم الاشتغال في السوق العادي، مثل: المعاقين والنساء والشباب الصغار، هذه المصلحة ربما تنتج منتجات عادية، لكنها تشغل فقط هذه النوعية من الناس، على الرغم من أنّ تكلفة تشغيلهم أعلى وذلك بسبب إنتاجيّتهم المنخفضة وقلّة خبرتهم وطول المدّة التي يحتاجونها لتعلم مهارات العمل.

3. الملكية: هذه المصلحة تكون ملكيتها لأشخاص محتاجين، وتعمل عادة كمصلحة عادية، مثل إقامة متجر كبير تكون ملكيته لمجموعة كبيرة من الفقراء، أو مقهى تكون ملكيته لمجموعة كبيرة من الطلاب وهكذا..

4. الموظفين: هذه المصلحة تكون مصلحة عادية، إلا أنها تشارك الموظفين في جزء كبير من أرباحها.

على المصلحة الاجتماعية أيًّا كان نوعها أن تحافظ على حقوق العمال والموظفين فيها على أكمل وجه، وعلى أن تكون صديقة للبيئة، وعلى أن تحافظ على الأمانة والشفافية المطلقة في تعاملها مع زبائنها، وألاّ تأخذ على نفسها مخاطر غير محسوبة حفاظًا على أموال المستثمرين فيها، وأن تحافظ على علاقة جيدة مع منافسيها من المصالح العادية، وعلى تعاون وتشارك مع منافسيها من جمعيات ومصالح اجتماعية أخرى.

نماذج أخرى لكنها ليست مصالح اجتماعية

1. مسؤولية اجتماعية

المصالح الربحية تحاول أن تحمل جزءًا من المسؤولية الاجتماعية، عن طريق عدم التسبب بالضرر للآخرين. لكن ورقة التوت سرعان ما تزول؛ لأنّ هذه المسؤولية تكون قائمة ما دام الأمر لا يشكّل خطرا على الأرباح. وعلينا أن نسأل: ماذا يحدث عندما تتضارب المصلحة الاجتماعية مع المصلحة الاقتصادية؟

في الحقيقة إنّ ما تقوم به المصالح الربحية في هذا المجال هو من أجل زيادة أرباحها، ويقع تحت بند التسويق الاجتماعي، مثل أن يقوم بنك بإعطاء منح لمجموعة من الطلاب.

2. المبادرة الاجتماعية

المبادرة الاجتماعية هي فكرة أوسع من المصلحة الاجتماعية. المبادرة الاجتماعية هي كل مبادرة فيها تجديد تسعى إلى مساعدة أبناء البشر، يمكن أن تكون اقتصادية أو غير اقتصادية، ربحية أو غير ربحية (مستشفى، جامعة، مكتبة عامة). كلّ مصلحة اجتماعية هي مبادرة اجتماعية لكن العكس غير صحيح.

4. المصالح الاجتماعية والمواطنون العرب في البلاد – رؤية مستقبلية

“إذا أظهرتْ خطّة العمل انعدام الجدوى فسنبحث عن خطة أخرى.. وهكذا حتى نجد المعادلة الملائمة”.

محمد يونس

واقع

ذكرنا في المقدمة الأسباب التي أدت الى الواقع المرير الذي يعيشه السكّان العرب في البلاد، وذكرنا عددًا من الأجسام والمؤسسات التي تحاول أن تكون جزءًا من الحلّ، بعد أن كانت جزءًا من المشكلة. بغضّ النظر عن المسبّب لهذا الواقع، وما هو الواجب والمفروض على كلّ منها، أو ما قامت به من جهود حتى الآن للخروج من هذا الواقع، فليس هدفنا في الورقة أكثر من أن نصف الواقع وأن نطرح حلاّ، لا أسميه حلاّ بديلا، وإنما مكملا لكلّ الجهود المبذولة للخروج من هذا الواقع. في هذا السياق نذكر المؤسسات والأجسام والتنظيمات الفاعلة في الساحة من أجل الخروج من هذا الواقع، هذه المؤسسات هي:

1. الحكومات.

2. البلديات والمجالس المحلية.

3. لجنة المتابعة.

4. الحراك الشبابي.

5. اللجان الشعبية.

6. الحركات الإسلامية.

7. الأحزاب السياسية.

8. المصالح العادية.

9. الجمعيات.

هنالك مجموعة من التحديات تواجه تقبّل المصالح الاجتماعية وانتشارها عند المواطنين العرب في البلاد، فيما يلي نطرح هذه التحديات، ونطرح مجموعة من الحلول لمواجهة كلّ واحدة من هذه التحديات.

الثقافة

لا شك أن العولمة كانت قادرة على أن تجعل ثقافة الرأسمالية والسوق الحرّة تنتشر لتصل إلى كلّ مكان، ولا شك أن المجتمع العربي في البلاد تشرّب من هذه الثقافة! هذه الثقافة التي تؤمن بطريقة وحيدة غير مباشرة يمكن من خلالها أن يخدم الإنسانُ مجتمعه! هذه الطريق تأتي من مبدأ “اليد الخفية”، والتي تقول إنّ كل من يهدف إلى تحقيق الربح المادي ويسير في طريقهِ نحو ذلك فإنّه يحقق الفائدة لمجتمعه.

لكن للأسف ففي كثير من الأحيان فشل هذا المبدأ وتسبّب في ضرر لكثير من البشر، كثير من الشركات هي شركات احتكارية، وأيضا قسم لا بأس به منها يُسبّب ضررا كبيرا للبيئة، وفي كثير منها يتمّ استغلال الموظفين أبشع استغلال، وقائمة التجاوزات في هذا المجال طويلة، والردّ الوحيد لدعاة الرأسمالية لهذه الظواهر هو: «فشل السوق». والحقيقة أنّ السؤال الذي يجب أن يُسأل هو: “فشل السوق أم فشل النظرية”؟ فالواقع يقول شيئًا، والنظرية الرأسمالية تقول شيئًا آخر، وفي هذه الحال يجب أن نسأل أنفسنا: من يجب أن يلائم نفسه للآخر: النظرية أم الواقع؟!

المصالح الاجتماعية تعتبر كفرًا بالعقيدة الرأسمالية، وإدخال ثقافة جديدة كهذه يعتبر تحديا كبيرا! لكن علينا أن لا نستسلم للواقع إنْ أردنا التغيير. صحيحٌ أنّ طرح فكرة المصالح الاجتماعية يُعتبر كفرًا بكل ما اعتاد عليه الناس، فمن الصعوبة بمكان أن يُنشئ أحدهم مصلحة اجتماعية متحملا كل المخاطر والتبعات، لا يبتغي منها إلا أجره الشهري، وأن يستردّ المبلغ الذي استثمره فيها، لا شكّ أن هذا “دين جديد”، لكن النجاح الذي حققه محمد يونس في بنغلادش يثبت مقولته المشهورة: “الربح المادي ليس المحرك الوحيد للإنسان”.

بالنسبة لهذا التحدي فنحن نطرح الخطوات التالية التي ستساعدنا على نشر ثقافة المصالح الاجتماعية عند المواطنين العرب في البلاد:

هدف: إيجاد جسم يأخذ على عاتقه نشر هذه الثقافة من خلال إقامة ندوات وورشات عمل من أجل نشر هذه الفكرة.

التمويل

إنّ مشكلة التمويل تعتبر من أهم التحديات التي تواجه المصالح الاجتماعية، فمصادر التمويل التي من الممكن أن تتوفّر للمصالح الاجتماعية هي:

1. أموال خاصة.

2. صناديق دعم.

3. قروض من البنك.

4. مستثمرون ورجال أعمال.

لا شك أن نشر ثقافة المصالح الاجتماعية سيساعد في تجنيد الأموال من رجال الأعمال العرب في البلاد لدعم هذه المشاريع، المصالح الاجتماعية ستكون بحاجة شديدة إلى جسم ودفيئة تساعدها في تجنيد الأموال.

هدف: إيجاد جسم يأخذ على عاتقه مساعدة المبادرين الاجتماعيين في تجنيد الأموال.

المبادرون

يبقى السؤال المطروح هنا: من الذي سيبادر إلى إقامة مصالح اجتماعية؟

لا شك أن الجهد الذي سيبذل في نشر ثقافة المصالح الاجتماعية سيكون له أثرٌ كبير في قابلية الكثيرين على إقامة مصالح اجتماعية، لكن من هؤلاء الكثيرون؟

1. الشركات الربحية: حيث تقوم بعض المصالح الربحية بإنشاء مصالح اجتماعية.

2. الجمعيات: تقوم الجمعيات بإنشاء مصالح اجتماعية تابعة لها.

3. مبادرون مستقلون: هؤلاء أناس خاضوا تجارب الحياة، وقسمٌ منهم خرج إلى التقاعد ويبحث عن فكرة يخدم من خلالها المجتمع.

4. مبادرون صغار السنّ: هؤلاء يكونون من فئة الشباب ويغمرهم حبّ التغيير وخدمة المجتمع.

هدف: في كل ما ذكر تبقى هنالك حاجة إلى جسم يرعى هذه المبادرات ويقدّم لها الدعم في كل ما يتعلق بتحديد الفكرة والتدريب على المهارات والقيم التي يحتاجها المبادر الاجتماعي من خلال ورشات تدريب مكثّفة واستشارة.

حاجة هذا الجسم تكمن في تذويت بعض القيم مثل: التطوير المستمر، المراقبة والإبداع الديناميكي عند المشتركين في الورشات. وتذويت قيم اجتماعية بالإضافة إلى مهارات الإدارة والتسويق وكلّ ما يحتاجه إنشاء مصلحة عادية.

من هذه القيم: أن يصبح العمل رسالة؛ فالعمل من الممكن أن يكون مصدرا للرزق، لكن أرقى من ذلك أن يكون العمل فرصة لارتقاء الإنسان إلى مراتب اجتماعية عالية. لكن إذا أصبح الإنسان يؤدي رسالة من خلال عمله – وهذه قمّة العلاقة بين الإنسان وعمله وهو ما حصل لمحمد يونس – عندها يصبح الإنسان جزءًا من عمله بعد أن كان العمل جزءًا من حياته..

الوضع القانوني والمراقبة

لا شكّ أنه حتى هذه اللحظة لا يوجد جسم قانوني اسمه “المصلحة الاجتماعية” في البلاد، في بريطانيا وأمريكا يوجد تقنين لهذا الموضوع، يبقى السؤال المطروح هنا كيف يمكن إنشاء مصلحة اجتماعية؟ والحقيقة أنه يمكن ذلك عن طريق تسجيلها كجمعية أو كشركة عادية.

التسجيل كجمعية يفقد صاحب الفكرة ملكيته عليها؛ لأن الجمعية تحتاج إلى مجلس ادارة يستطيع أن يفصل صاحب الفكرة إنْ شاء، أو يغيّر رؤية الجمعية ومجالات عملها، أو أن يفعل ما يشاء. وأيضا تسجيل الجمعية يحتاج إلى وقت أطول وفيه “بيروقراطية” طويلة في اتّخاذ القرارات، وهو الأمر الذي لا يتناسب كثيرا مع طبيعة عمل المصالح، لكن في المقابل فإنّ الجمعيات تتمتّع بكثير من التسهيلات في كلّ ما يتعلق بدفع الضرائب.

يبقى أنّ التسجيل كجمعية أو كشركة لا يمكن الفصل به وهو متعلّق بالحالة المذكورة.

لذلك فإنّه من الضرورة بمكان إيجاد تشريعاتٍ تمكّنُ “المصالح الاجتماعية” من أن يكون لها جسمٌ قانونيّ، وهو الأمر الذي سيمنح المصالح الاجتماعية أفضلياتٍ ضرائبية تمكنها من تخطي التحديات الكثيرة التي تواجهها. وأيضا تمكّن من مراقبة عمل المصالح الاجتماعية بشكل قانوني.

هدف: في هذا المضمار نذكر أهمية وجود جسم يسعى إلى إحداث ضغط على المؤسسة المشرّعة؛ من أجل إيجاد تشريعات تسمح بوجود المصالح الاجتماعية كأجسام قانونية.

عن موقع ستيبس


سجّل ردّا

أحدث التعليقات

  • لولو: انا فتحت الموقع علشان البحث و ما لقيت احسن مينو
  • التوجيه الدراسي: الاخ محمد بالنسبة لكلية افيكا هي كلية هندسية معترف بها وممولة اذا تجيب على شروط القبول للموضوع...
  • التوجيه الدراسي: الاخت مرح مدة دراسة علم النفس للقب الاول تستمر 6 فصول دراسية اي 3 سنوات
  • التوجيه الدراسي: بالنسبة لشهادة البجروت عليكي الحصول على المعدل الاعلى فمثلا التخنيون يطلب 110 على الاقل هناك معاهد...
  • التوجيه الدراسي: موضوع المختبرات الطبية لا يدرس في جامعة حيفا ذكر اعلاه المعاهد التي تدرس الموضوع مثل جامعة بن غوريون...

اقرأ أيضا