التضحيّة …قصة ومغزى

أسماء وليد أحمد/اكاديمية القاسمي
دتدور في مخيّلتك معانٍ جمّة ، قد تتداول أحداها علّها تنسجِم مع أفكارك .. لربما يصفوها بكلمات حُبٍ أو بعباراتِ وفاء أو ما تقدمه دون مقابل وربما تكون تضحية النفس والمال من أجل وطن أو شخص ما…التضحيّة لها معانٍ كثيرة وعميقة ، لربما نراها بقلب من نُحب عظيمة وبقلب من لا نعرفه كريمه وذات قيمة.

new13417043278090_237788799674558_500093189_nكالوردة البيضاء إلتفَ حولها عصفورٌ جميل كلّ ما وقف على أعتاب أوراقها غرّد واستنشقَ من رحيقها ما طاب من مطيبها وفرح لرؤيتها . فأخبرتهُ ذات مرّة أنّها بحاجة له بأن يأتي لها بالقيح لتعيش وتتكاثر .. فنظر إليها العصفور وسرّ بذلك لأنّه سيقدم لها جزء من عرفانها ، فذهب ودارَ والتفت ليأتي لها بالقيح لتتكاثر ..وحينَ وجدَ ذلك القيح الذي يناسبها أتى به إليها وقدمه إليها ..فشكرته على صنيعه ومضى إلى حيث يجدُ نفسه.
جاء فصلُ الشتاء ..واشتدّت البرودة ولم يجد مأوى يلتجأ إليه فمضى باكياً ، متحسراً على نفسه لا يجدُ من يأويه ويفرش له بساط الدفء ليشعر بالأمان. فتذكّر تلك الوردة البيضاء وعاد إليها وإذ يجدُ مكاناً تعمّه الأبسطة البيضاء وتغطي سماءه الشاشة السوداء. فدخلَ إلى تلك المحميّة ليتفقّد وردته هل ما زالت بخير أم ماذا جرى لها؟! دخلَ وإذ هيَ بأمان مغدق ، تتسامرُ مع رفيقاتها وأزهارها الحمراء. فنظرَ إليها وقلبه يرتعش وجسمة مقبوض من قرص الشتاء وعيناه دامعتين ..
فنظرَ إليها وتأملها وأخبرها أنّه لا يجد مأوى ليسكنه ولا بيت يأويه .. فنظرت إليه وقالت له سأجعلك تسكنُ معي حتى تشرق الشمس الدافئه لكن بشرط ..؟! أحدقَ عيناه ، وقال لها آمري يا سيدتي ..؟
أخبرته أنها حزينه ، إذ رفيقاتها يملكن جمالاً يفوقها وهي بينهنّ خجلى من نفسها ومهمومه بداخلها لكنها تظهر لهم أنها في فرحةٍ تامة.
فتأمل في نفسه ونظر إلى ما هو فيه وإلى ما هوَ خارج المكان وتذكّر سقوعة شتاء وبرودِة رياح ..! فحزنَ على نفسه ولم يعرف ماذا يفعل لأجلها ؟!
فخرج من المكان يودعها الوداع الاخير … وقال لها بضع كلمات لا تقلقي سأعود لكن كوني بخير. غدا بنفسه حاملاً همّ ما أثقلته وهمّ ما أصابه ..
فكان يلوح بجناحه مرّة ويتساقط مرّة أخرى من رياحٍ عاصفه هوجاء لا تميّز بين الضعيف والقوي ، وهو يجري نحو مطلبه ليأتي بقيحٍ يغيّر لونها إذ تداهمه الرياح مراراً فيسقط مرّة ويعاود الطيرمرة أخرى كلّما تذكّر وردته الحزينه …
فعادَ أدراجه خائباً وقد اصطدمَ بشجرةٍ ذاتِ أغصانٍ حادّه أليمة ذات أشواكٍ خشنة ! حتى هوت بهِ أرضاً ، فسقط مغشياً عليه ..فاستيقظَ من غمامته وقال في نفسه وهو في حسره أني وجدتها ! ..ذهب يجرّ بعضهُ بعضاً حتى وصل …
رأته الوردة البيضاء وتحسّرت لوعةً وحسرة على جماله الذي تلاشى وصوته المغرد المختفي بين بحةٍ تخالجها جلجلة بكاء ! فنظر إليها العصفور وأرشق عليها من دمائِه المكلومة حتى تُصبح وردةً حمراء تتفاخر بنفسها بينَ أزهارها فهو لونٍ لا يضاهيه أي لون ..! ففرحت وفرحت زهراتها وتفاخرت بينهنّ حتى كدنّ يمزق أنفسهنّ من جمالها.. لكنها لم تكتمل تلك الفرحة حتى وجدت طائرها يلوح بنفسه يمينا وشمالاً ونظر إليها وقد رسم على وجهه بسمة باسمة ملكومة مودعه وأخبرها ها أنا قد ضحيت من أجلك بكلّ جوارحي فهلّا لبيتِ لي طلباً واحداً ..
طأطأت رأسها حزينة مستائه ..ما هي؟!
قال لها بصوتٍ مرتعشٍ حزين ملتاع ، إدفنيني يا وردتي بجانبك حتى أهنأ بنومي و لتنبثق منك رائحتين ممتزجتان : دمّي ومسكُ رائحتك ..وسقط عليها هاوياً حتى شعرت بخبطةٍ ورعشة في عروقها تنسابُ حزناً ولوعةً على ما أصابه.

المغزى 1:
العصفور يمثلّ ذاك الشخص الذي قد يضحي بنفسه وروحه لأجل أهدافه وأفكاره ومعتقداته أو من أجلِ شخصٍ ما ، لكنّ الشخص الآخر قد يبالي بتلكَ التضحيات ظاناً بنفسه أنّه قدّم أغلى ما يملِك كما قدّمت تلك الوردة فظنّت بنفسها أنّها قدّمت كلّ ما تملك فوضعت تلك الشروط وحدّدتها بعطائها ، لكن تجدُ آخرين يضحون بأرواحهم لأجل ما يملكون ولأجل ما يريدون لكن بالنهاية هم يفلحون لأجل أهدافهم ولأجل من حولهم لكن بالنهاية يكتشف من حولهم أنّهم قد قطعوا ذاك الوقت بآمالهم ومآلهم ويجدون أنفسهم بقوقعة الخسارة !

المغزى 2:
حينَ تكون لديك ذاك الطموح لا تقتله بداخلك راضياً بالأدنى ومتماشياً بمقولة :” ما دام غيرك فعَلها ، فأنتَ قادر على ذلك ” دون أن تُحدد طموحك واتجاهك والفروقات الفرديّة بينك وبين البشر غير مدرك أن كل أمرأ مقدّر لما خُلق له ، لذلك لا تنزع ذاك العصفور المضحي لأجل تلك المقولات التي تنزع منك حلُمك الذي يؤهلك لأداء عمل قادر عليه مُبدع به والذي يُمكنّك بإبراز إبداعاتِك وإنجازتِك على أفضل صورة ممكنة لأجل صورة يرسمونها أمامك .

المغزى 3
يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله :” ينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يُمكنه ، فلو كان يتصور للآدمي صعود السموات ؛ لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض”
قد يظنّ البعض أنهم ذاك العصفور المضحي وما يجدون أنفسهم بين عبارات تأخذهم أنّهم ما زالوا يقفون على تلك الوردة البيضاء لم يفعلوا المستحيل لينالوا تلك التضحية التي يستحقونها فيأتي ذاك الوقت الذي يستيقظون من سباتهم العميق …

وأخيراً :

تأتينا الأيام لتَكشف لنا تلك التضحيات والعطاء الذي بذلناه لأجلِ الكثير لتأتي وتضع لنا حدوداً صنفناها على مجرى أهوائنا أنّنا نتماشى على حقٍ وفلاح دون أن نكثرت ودون أن نصنّف تضحياتهِم .. لنجد أنّفسنا كالطيور تقدّم وتبحث عن الحقائق حتى تجد نفسها بين أغصان عالقة وأشواك مؤلمة ، لتكتشف أنها ما هيَ سوى باحثه عن ألمٍ وأملٍ ضائع …
فيصنّف كلّ منا أنّه قدّم كل ما يملِك حتى يأتي ذاك المضحي الكبير ويسقط هاوياً مع مجرى تلك الحياة وتلك الآلام وتلك المصائب لتوقظه من سبات بات عميقاً ، لتوقفنا وتخبرنا : كفى !
لتقول لنا : توقف حتى تجد من يستحق منكَ العطاء وتلكَ التضحيّة لتجد نفسكَ أنّك وحيداً متماشياً مع رياح الحياة تهوي بكِ يسرةً ويمنةً حتى تأتي عاصفة قويّة تهوي بكَ أرضاً ولا تجد من يُمسك بيدِك لتجد نفسك وحيداً لا يسعُك إلا أن تجعل المسك رائحتك والدمّ عطائك وتضحيتك ..!
ستجدُ عملَك يوماً ما ، لا تتندم عليه ولا تتندم على روحٍ أرهقتها طول الإنتظار !
فهيَ أصبحت تكشف حقائق دامت طويلاً متأملة بسرابٍ تظنّة مجرى مياه.
جُد بأهدافِك وجُد بعطائك وجُد بروحك لأجلّ دعوتِك وعقيدتك ، فأعظم مثالٍ يضرب بحبيب القلوب رسولنا الكريم العطوف الذي جاد بأخلاقه وتضحياته حتى ملَك تلك القلوب ، فأين نحنُ من تلك القلوب وأين نحنُ من تلك القيود التي تأسر القلوب …

هي الحياة علمتني لأجل مًن ولِمن نضحّي ، وعلَمتني أنّ الوقت أثمن ما نملِك فإن أسرنا تلكَ القلوب وتلكَ العقول لأجل من لا يفقه تلك المعانِ وتلك العبَر وتلكَ التضحيات ، سحقتنا بأهوالِ الحياة وأسرتنا بقيودها الوخيمة !
فلنعش حياتنا كما هيَ لأجل الله ولله وفي سبيل الله …
فلنغدق على أرواحنا بأرواح تغدق علينا البسمة المستديمة بأفكارنا وبنصائحنا وبأخلاقنا وتعاملنا مع من حولنا وبتقديرنا للقيم وبتقديرنا لتلك الأرواح التي باتت سحيقة ما بينَ ألم وأمل وما بين تضحية وأجر.
حياتنا جادَت بنا كالرياح قويّة عاصفتها هوجاء ، جعلتنا نسافِر مع أنفسنا قليلاً لنتفكّر بمَن حولنا ، لتبيّن لنا الصحيح من السقيم ، لتبيّن لنا الأضحية من التضحية ، لتبيّن لنا أعمالنا التي سنسأل عنها ، عن أوقاتنا التي قد أضعناها بتأملات راجيّة لكنها ناقصة ينقصها تلك النفوس المضحيّة لتلك الآمال.
لنكتشف بعثراتنا المريرة ولتكشف فينا طيبة نفوسنا …
دُمتم بخير ودمتم على آمالٍ تتحقق ودعوة تُستجاب وعملٍ متقبّل وصحوةٍ توقظنا على أخبار تسرّ ناظرنا …

إسألوا أنفسكم هل يستحق كل منا تلك التضحية ؟
إن كانت نعم ؟
فماذا قدّمتم ؟
وإن لا؟
فماذا بوسعكم أن تقدموا؟!

فللعظيم قلبان .. قلبٌ يتألم ، وقلبٌ يتعلّم ..! “جبران خليل جبران”


سجّل ردّا

أحدث التعليقات

  • لولو: انا فتحت الموقع علشان البحث و ما لقيت احسن مينو
  • التوجيه الدراسي: الاخ محمد بالنسبة لكلية افيكا هي كلية هندسية معترف بها وممولة اذا تجيب على شروط القبول للموضوع...
  • التوجيه الدراسي: الاخت مرح مدة دراسة علم النفس للقب الاول تستمر 6 فصول دراسية اي 3 سنوات
  • التوجيه الدراسي: بالنسبة لشهادة البجروت عليكي الحصول على المعدل الاعلى فمثلا التخنيون يطلب 110 على الاقل هناك معاهد...
  • التوجيه الدراسي: موضوع المختبرات الطبية لا يدرس في جامعة حيفا ذكر اعلاه المعاهد التي تدرس الموضوع مثل جامعة بن غوريون...

اقرأ أيضا